اليعقوبي
434
تاريخ اليعقوبي
بلقائه ، فعند الله نحسبه ، وإياه نسأل حسن الخلافة من بعده ، والمعونة على ما حملني من أمركم ، وأرغب إليه في التسديد والتوفيق لما يرتضيه فيكم . ثم حض على الطاعة ، وأمر بالمناصحة ، ونزل . وقدم الفضل بن الربيع الخزائن وبيوت الأموال ، ووصية الرشيد ، مستهل جمادى الآخرة ، وكان محمد بن هارون قد أمر بإظهار الحج ، فقال له الفضل ابن الربيع : إن أباك أمرني أن أقول لك إنه لن يحج بعدي أحد من خلفاء بني العباس . فأقام ، وحجت أمه أم جعفر معتمرة شهر رمضان ، وقد كانت تقدمت في حفر عين المشاش في أيام الرشيد ، فقدمت مكة ، وقد فرغ منها ، فبنت المصانع ، وجعلت الحياض والسقايات ، ووجه محمد بعشرين ألف مثقال ذهبا ، فجعلت صفائح على باب الكعبة ومسامير الباب والعتبة . وأخرج عبد الملك بن صالح من الحبس ، وولاه جميع ما كان إليه من الجزيرة ، وجند قنسرين ، والعواصم ، والثغور ، ورد عليه أمواله وضياعه ، ودفع إليه ابنه عبد الرحمن ، وكاتبه قمامة ، فحبس قمامة في حمام قد أحكم ، وأوقد أشد وقود ، وطرح معه سنانير ، فلم يزل فيه حتى مات ، وحبس ابنه فلم يزل محبوسا . وقال عبد الملك حين أخرج من الحبس ، وذكر ظلم الرشيد له : والله إن الملك لشئ ما نويته ، ولا تمنيته ، ولا قصدت إليه ، ولا ابتغيته ، ولو أردته لكان أسرع إلي من السيل إلى الحدور ، ومن النار إلى يابس العرفج ، وإني لمأخوذ بما لم أجن ، ومسؤول عما لا أعرف ، ولكنه والله حين رآني للملك قمنا ، وللخلافة خطرا ، ورأى لي يدا تنالها إذا مدت ، وتبلغها إذا بسطت ، ونفسا تكمل لخصالها ، وتستحقها بخلالها ، وإن كنت لم أختر تلك الخصال ، ولا اصطنعت تلك الخلال ، ولم أترشح لها في سر ، ولا أشرت إليها في جهر ، ورآها تحن إلى حنين الوالدة ، وتميل إلي ميل الهلوك ، وخاف أن تنزع إلى أفضل منزع ، وترغب في خير مرغب ، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها ،